مساحة اعلانية

مجلة الكترونية دولية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون ..

القرين - بقلم أمين الساطي

 


     هذه قصة حقيقية بكامل تفاصيلها ، حدثت مع جارنا الموظف الصغير في المديرية العامة للشؤون العقارية ، والساكن في قبو البناء الذي أعيش فيه.
 
     مضى عليه يومان، لم يستطع خلالهما النوم ولو لدقيقة واحدة ، اتصل بمديره ، وطلب إجازة إدارية لمدة أسبوع . جلس وحيداً يشعر بالقلق والإرهاق ، إنه يرزح تحت ضغوطات مالية كبيرة ، فأجرة البيت ستستحق بعد أسبوع ، وعليه ديون كثيرة ، يجب تسديدها في نهاية الشهر . لا شيء أسوأ من الوحدة في حالات الاضطرابات النفسية ، عادت به الذكريات إلى أيام طفولته التعيسة ، وانتحار والده عندما كان في العاشرة من عمره ، دخل في مرحلة الاكتئاب ، وتذكر أنه شخص فاشل في مدرسته منذ صغره ، وأنه الآن وبعد أن أصبح شاباً ، لم يحقق نجاحاً واحداً مهماً في كل حياته المهنية ، فأصابه الإحباط ، وراودته في لحظتها فكرة الانتحار.
 
     دخل إلى الحمام ليأخذ دوشاً من الماء الساخن ليستعيد نشاطه ، وبينما هو واقف يطيل النظر بالمرآة ، ظهر له خيال لشخص صورة طبق الأصل عنه ، فتوهّم أنها مجرد تخيلات ناجمة عن قلة النوم ، ولعدم قدرته على التركيز ، لكنه بعد أن دخل غرفة المعيشة ، وجد هذا الشخص جالساً أمامه على الكنبة ، ما أثار الذعر في نفسه ، وتأكد في لحظتها ، أن ما تراه عيناه هو الحقيقة ، وليس مجرد هلوسة وأحلام يقظة.
 
     قرّر أن يذهب لعيادة الطبيب المتعاقد مع المديرية ، لأن الضمان الصحي يغطي تكلفة العلاج ، لكنه فكّر ثانيةً ، ماذا سيحدث عندما يخبر الطبيب ، بأن هناك شبحاً يشبهه ويعيش معه في البيت نفسه ، ربما يتهمه بالجنون ، وسيصبح مسخرة الموظفين بالمديرية ، ومن المحتمل أن يستغنوا عن خدماته.
 
     هداه تفكيره للذهاب إلى الصيدلية القريبة من بيته ، لما دخل ، شاهد الصيدلاني وجهه الباهت وعينيه المنتفختين ، وأخذ يُبيّن للصيدلاني بأنه لا يستطيع النوم من كثرة الضغوطات المالية المترتبة عليه ، فشعر الصيدلاني بالشفقة عليه، وأعطاه علبة من الحبوب المهدئة للأعصاب ، ورفض أن يتقاضى ثمنها ، وطلب منه أن يأخذ منها حبة واحدة قبل النوم.
 
     بالفعل لما عاد إلى بيته أخذ حبة واحدة ، شعر بعدها بالاسترخاء والسعادة ، ونام لفترة قصيرة . بعد أن استيقظ أخذ حبة ثانية للوصول إلى المفعول والمشاعر نفسها التي حصل عليها من الحبة الأولى . الأدوية المهدئة للأعصاب تخفف من أعراض الحالات العصبية ، ولكنها لا تشفيها ، واستمرّ يأخذ الحبة تلو الأخرى ليحصل على الهدوء والسكينة . بعدها اتصل بصديقه محمود ، وشرح له ما يعانيه من اضطرابات نفسية تجعله على شفير الانهيار ، فأخبره بأنه سيمرُّ عليه بعد انتهاء الدوام ، ليصطحبه إلى شيخ روحاني قدير ، ليعالجه من هذا الوسواس من دون مقابل.
 
    عندما دخلا بيت الشيخ ، حملق الشيخ طويلاً في وجهه الباهت ، ولاحظ آثار التعب والإجهاد المرسومة عليه ، فأجلسه أمامه على الأرض ، وبدأ يقرأ وينفث في وجهه . بعد أن انتهى من القراءة ، أخبره بأن جنياً دخل إلى جسده وتلبسه ، نتيجة إصابته بالعين من بنت خالته التي تخطط للزواج منه . اندهش من هذه الخبرية ، فبنت خالته الوحيدة هي سلمى ، التي توفيت منذ أكثر من خمس سنوات ،  تذكّر إعجابه بها ، ولطالما كانت دائماً بطلة أحلام اليقظة التي يمارسها ، كما أنه سيحتاج إلى الشيخ لطرد الجني ، وإلى أن يقوم الشيخ بشراء ذبيحة ليقرأ عليها بعض التعاويذ ، ثم يوزعها على الفقراء ، وهو لا يبغي لنفسه أي منفعة من وراء ذلك سوى مرضاة الله ، لما سمع بضرورة شراء الذبيحة ، غادر بيت الشيخ فوراً ، فالموضوع خارج عن إمكانياته.
 
     جاء اليوم الرابع وأحواله تزداد سوءاً ، فخيال توءمه يظهر أمامه كلما وقف أمام المرآة ، ما أثار في نفسه كثيراً من الضيق ومن المخاوف غير المنطقية . خمّن أنه ليتخلص مؤقتاً من هذه المعاناة ، ومن جو الاكتئاب المخيم على البيت ، فعليه أن يتصل ببائعة هوى اعتاد على مخالطتها ، لتحضر إلى شقته . في بادئ الأمر رفضت القدوم إلى منزله ، بسبب أنه في المرة الماضية لم يدفع لها أتعابها ، لكنه أقسم لها إنه سيعوِّض عليها في هذه المرة.
 
     حضرت المومس حسب الموعد إلى بيته ، وأطلق لتخيلاته العنان في أثناء ممارسته الجنس ، وتصوّر أن شريكته هي ابنة خالته سلمى ، محاولة من عقله اللاواعي للتصدي لفكرة أنه شخص منبوذ، لا يمكنه أن يمارس الجنس إلا مع العاهرات . بعد أن انتهى من العملية ، اصطدم الخيال المبالغ فيه مع الواقع ، فشعر بالغثيان والرغبة في التقيُّؤ ، فدخل عارياً بسرعة إلى الحمام ، عندما مرّ أمام المرآة شاهد صورة قرينه ، وقد ظهر بشكل وحش قبيح يميل لونه إلى السواد ، فشعر بالقرف من نفسه ، وخرج راكضاً إلى الخزانة الموجودة في غرفة الجلوس ، وأخرج المسدس الذي كان أبوه قد انتحر به قبل عشرين عاماً ، وعاد به إلى الحمام.
 
    نظر من جديد إلى المرآة ، فوجد صورة الوحش وهو يضحك ساخراً منه ، أخذ المسدس وأطلق النار على رأس هذا المسخ ، فوقع على أرضية الحمام مضرجاً بدمائه ، سمعت صاحبته وهي مستلقية على الفراش صوت الطلقة النارية ، تلاها صوت جلبة في الحمام ، فدخلت وشاهدت زبونها على الأرض غارقاً في دمائه ، والمسدس ملقى إلى جانبه.
 
    قررت في بادئ الأمر أن تتصل بالشرطة ، لكنها ترددت قليلاً ، فهي تعرف بأن الشرطة سوف تحقق معها ، وتسألها عن علاقتها بالقتيل ، وستقع حتماً في مشاكل هي في غنى عنها . ارتدت ملابسها بسرعة ، وهمت بمغادرة الشقة . وبينما هي في طريقها للخروج ، تذكرت أجرة أتعابها وأتعاب الجلسة السابقة ، فشعرت بأنه ظلمها واستغلها . أخرجت محفظة نقوده من بنطاله ، فوجدت فيه ورقة واحدة بعشرة دولارات ، فدستها في حقيبتها ، جنَّ جنونها ، لأنها تأكدت بأنه كان مفلساً ، وأنه كان يحاول أن يغدر بها للمرة الثانية . نظرت حولها في البيت لعلها تجد شيئاً صغير الحجم وثميناً بالوقت نفسه ، لتصادره وتأخذه معها ، تعويضاً عن حقها المهدور ، فلم تجد شيئاً.
 
     خطر على بالها ، أن تأخذ المسدس الموجود على أرضية الحمام ، لتبيعه إلى أحد زبائنها ، دخلت الحمام ، ورفعت المسدس من على الأرضية ، ومسحت آثار الدماء الموجودة عليه بفوطة معلقة على الحائط ، ثم وضعت المسدس في حقيبتها ، واتجهت نحو الباب.
 
    عندما فتحت الباب ، فوجئت بعدد من الجيران المتجمعين أمامه ، نتيجة لسماعهم صوت الطلقة النارية محاولين أن يعرفوا ماذا حدث في بيت جارهم . أغلقت الباب خلفها بهدوء ، وشقت طريقها بسرعة بين الشباب ، صاعدة الدرج وقلبها يخفق بجنون من شدة خوفها ، عندما وصلت الدرجة الخامسة ، وجدت شاباً منتصباً أمامها : "مدام عليك انتظار وصول شرطة النجدة ، لقد طلبناهم بالتلفون ، وهم الآن في طريقهم إلى هنا ، ربما سيحتاجون إلى أخذ إفادتك.

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.